المفاهيم الكربلائية

المفاهيم الكربلائية

الثورة الحسينية ثورة النتائج العظمى

 

 

نتائج الثورة الحسينية بمستوى أهدافها

 

ينبغي على كل إنسان عاقل أن يرتقي بفكره وقلبه إلى المستويات الراقية في جميع الأمور والتي من شأنها أن نوضح نقاط الغموض وخفايا الأمور، فلا ينبغي الإتكال على ما تراه العين وتلمسه اليد وتسمعه الأذن، فهناك أجهزة خلقها الله تعالى في الإنسان ذات فعالية أكبر من فعالية تلك الحواس التي لا تتعلق سوى بالمادة المجردة عن الماورائيات.

وإذا كان هذا الأمر مطلوباً ن عامة الناس على وجه العموم فهو مطلوب من المسلم على وجه الخصوص لأن الله سبحانه وتعالى يحب عبده المتمتع بحذاقة كبرى والذي يبحث في الأعماق ليخلص بنتيجة تنير قلبه وفكره وتريح ضميره تجاه بعض المشكوكات لديه، وهذا ما يفرض عليه التأني في مسألة الحكم على الأحداث والوقائع.

ونلاحظ بأن الإسلام يرفض منطق التسرع في الحكم ويدعو إلى دراسة كل التفاصيل وقراءة ما بين السطور قبل قراءة الكلمات لأن المشكلة ليست بما هو ظاهر بل هي في الأمور الباطنة التي تحكي جوهر الحقيقة.

وبناءاً على هذا المعنى الراقي من معاني الوعي والحكمة نشأت المقولة الشهيرة:في التأني السلامة وفي العجلة الندامة:

فكم من قاض تسرع في إصدار حكمه فظلم المحكوم بتسرعه، وكم من ناظر إلى الحقائق من خلال ظاهرها قد خسر الكثير بسبب هذه النظرة السطحية.

لقد أبغض الإسلام هذا الأمر بشدة مبيناً مساوءه الكبرى على حياة الإنسان وآخرته.

فقد تتسرع بالحكم على بعض الأمور فلا يسكت المحكوم عليه بهذه الطريقة فلا تسلم من نتائج حكمك لأنك سوف تجلب الخطر لنفسك لأنك كما تسرعت في إصدار الحكم على المحكوم فسوف يكون تسرعه عليك أخطر من تسرعك عليه.

وقد تكون نتيجة هذا التسرع في الآخرة مكلفة جداً لأنك إذا قصرت في المقدمات المطلوبة فسوف تتحمل المسؤولية كاملة في يوم الحساب، فقد تنظر إلى بعض الإفعال من بعض زواياها فتظنها حلالاً وهي في الواقع حرام لأنك لو أمعنت النظر قليلاً لأدركت وجه الحرمة فيها.

هكذا كانت الحال لدى الذين حكموا على الثورة الحسينية من خلال النظر إلى الأجساد المقطعة، حكموا بالهزيمة وقد ضلّ حكمهم لأنهم لو قرؤوا الأهداف جيداً وراقبوا النتائج ملياً لأدركوا بأن النتائج كانت بستوى الأهداف.

هذا بالإضافة إلى كونهم ظلموا الحسين من خلال سماعهم لبعض الدعايات الكاذبة حول أهدافه من الثورة، فهم سمعوا وجهة نظر اليزيديين ولم يسمعوا وجهة نظر الإمام(ع)

فلو أنهم تأنوا قليلاً واستفسروا عن الأمر وسألوا الحسين عن أهدافه لأدركوا الحقيقة كما يجب، ولكنهم تسرعوا في الحكم فكانت النتيجة أنهم شاركوا في هدر الدماء الزكية.

 

الحكم المزاجي

 

وهو من أبرز أنواع الحكم انتشاراً في العالم وهو الحكم القائم على العصبية العمياء.

فإذا كان المحكوم عليه ممن نحب ونرضى أصدرنا حكماً إيجابياً في حقه وغضضنا النظر عن الثغرات السلبية، وأما إذا كان المحكوم عليه ممن نبغض ونكره كان الحكم منا ظالماً وقاسياً ولا نكلف أنفسنا عناء البحث عن الحقيقة خوفاً من أن يثبت عكس الحكم الذي أصدرناه في حقه.

بهذه الروحية العمياء حكم الناس على ثورة أبي عبد الله الحسين(ع) حيث أوحي إليهم من قبل الحكام الظلمة بإصدار الأحكام الظالمة في حق الحسين حتى بعد استشهاده بغرض الحفاظ على موقعهم في الحكم.

ولو أننا سألنا ظالمي أبي عبد الله(ع) عن الأدلة التي استندوا عليها في حكمهم الجائر لما استطاعوا أن يقدموا شيئاً حيث لا دليل لديهم يدين الحسين، بينما لو سألناهم عن الأدلة التي تدين الجهة اليزيدية لتجاهلوا الأمر رغم علمهم بكثرتها.

وما زالت هذه الروحية مستمرة في نفوس جماعات كثيرة من المسلمين وهو في القرون المتطورة التي يعتمد أهلها على الفكر والعلم.

هم يستعملون الفكر فيما يرغبون، وأما في مسألة الحق والباطل فيستسلمون للعقائد الفاسدة ويرفعون المسؤولية عن أنفسهم بدعوى هذا ما وجدنا عليه آباءنا.

ولا يشكّل هذا المنطق أي نوع من أنواع العذر إذ كيف يتحققون من كل المسائل التي تعنيهم ويحاولون البحث عن ثغرة ينفذون من خلالها إلى المطلوب لديهم، ولا يعطون الحق الواضح شيئاً من ذلك، وإنما يحاولون فرض التعتيم عليه حتى يثبتوا ما ينسجم مع أهوائهم وينكروا المخالف لها وإن كان الحق بعينه.

إن ذلك هو عين الجور والضلال، وإن أصروا على ذلك فلن يرحمهم الله في يوم الحساب.

 

هل يمكن الفصل بين النتائج والأهداف

 

إذا كان الفصل بين النتائج والأهداف من ناحية المفهوم فلا مانع عقلي أو شرعي منه، وأما إذا كان من ناحية الواقع العملي فلا يحق لنا أن نعطي الأهداف حجماً مختلفاً عن حجم النتائج بهدف بيان أن النتائج لم تكن بالمستوى المطلوب.

وهذا الفصل يصح فيما إذا أتت النتائج بشكل غير مقبول، وأما إذا كانت النتائج كبيرة بحجم الأهداف فلا يحق لنا الفصل بينهما بدعوى أن الأهداف عظيمة والنتائج وخيمة.

وإذا كنتم مؤمنين بأن الحسين قد حقق الأهداف من خلال ثورته فما معنى الفصل بينها وبين النتائج مع العلم بأن النتائج هي ما حققته الأهداف.

كيف يمكن القول بأن الأهداف قد تحققت وأن النتائج لم تكن مرضية وهي في الحقيقة نتاج تلك الأهداف.

لقد حاول البعض أن يبرروا الموقف من جهة التفريق بين النتائج المادية والمعنوية علماً بأن النتائج بنوعيها كانت بمستوى واحد، وهذا ما سوف نبينه في هذا البحث.

وسوف يظهر لنا عدم الجدوى من خلال التفريق بينهما، وأن هذا التفريق له آثار سلبية على الفكر الكربلائي.

 

النتائج العسكرية

 

لكي نفهم الحقيقة المرجوة من خلال الأهداف والنتائج لا بد من إلقاء نظرة على النتائج العسكرية التي تولدت من معركة كربلاء.

وقبل الخوض في هذا البحث ينبغي لفت النظر إلى كون المسألة المبحوث عنها لا تتعلق بالمادة المحضة، وإنما يجب أن نقرنها بما نتج عنها بعد المعركة ولو كانت المدة الفاصلة بينهما طويلة، إذ ليس المهم في ذلك طول المدة وقصرها، بل المهم هو أن تلك النتائج البعيدة تتعلق بالنتائج العسكرية التي نشأت في أرض كربلاء.

ولأجل ذلك وجب علينا البحث في عدة نقاط هي التي تتكفل ببيان حقيقة الأمر.

 

النقطة الأولى: النتائج العسكرية في المعسكر الحسيني

لا يمكن لأي إنسان أن ينكر حدوث مجزرة في صفوف المعسكر الحسيني الذي لم ينج منه سوى فرد واحد وهو الإمام زين العابدين(ع) بسبب اشتداد المرض الذي أقعده عن الجهاد.

ولا أحد ينكر للوهلة الأولى بأن النتائج العسكرية كانت وخيمة على الجيش الحسيني المتواضع بأسلحته وأعداده، ولكن الأهداف لم تتعلق على النتائج العسكرية المحضة، والتي يمكن وصفها بالنتائج الأولية.

ولا يمكن أن نقيس ثمار الثورة على الوضع العسكري الرديء الذي انتهت به معركة كربلاء، وإنما يجب أن ننظر في النتائج الكبرى التي تولدت من النتائج العسكرية الأولية التي ظن الناس بأنها وخيمة، ولكنها في الواقع كانت أول الإنتصار الكبير الذي حققته الثورة بشخص الحسين وأصحابه.

ولا ينبغي أن يقف الحد عند أجساد مقطعة ورؤوس مفصولة عنها، وإنما يجب النظر فيما صنعته تلك الأشلاء الطاهرة بعد انتهاء المعركة العسكرية التي كانت البداية لمعارك عسكرية كانت من حيث العدة والعدة أكبر من معركة كربلاء، كما وكانت منطلقاً لمعارك نفسية أشد من العسكرية قد بدأت عقب استشهاد الإمام وأصحابه في كربلاء.

لقد نظر الناس إلأى نتائج يوم عاشوراء، ولم ينظروا إلى النتائج الكبرى التي حققته أحداث عاشوراء، فأيقنوا بهزيمة الحسين وأصحابه لأنهم لم يغوصوا في أعماق الثورة ولم يدرسوا أهدافها ولم يدركوا بأن أكبر وسيلة لتحقيق تلك الأهداف كانت تلك النتائج العسكرية التي توحي بالهزيمة للوهلة الأولى.

إن هؤلاء لم يدركوا بأن معركة كربلاء قد امتازت عن باقي المعارك من جميع النواحي.

لقد اعتاد الناس أن يحكموا بالفشل على المقتول أياً تكن النتائج إلى أن حدثت معركة كربلاء فأثبتت لهم إمكانية خروج البعض عن تلك القاعدة، وقد كان أول من خرج عنها هو الإمام الحسين(ع) الذي حقق بثورته أعظم انتصار للإسلام والمسلمين في تاريخ الإسلام.

لقد تميزت معركة كربلاء بصناعة النصر رغم استشهاد القائد والجيش كله، ولم يحدث مثل هذا الإنتصار في تاريخ العالم، ولأجل ذلك كان هذا النصر موضع دهشة للعالم كله وسبباً في استمراره حتى هذه الأيام.

لقد تعامل هؤلاء مع كربلاء من منطلق مادي محض وغفلوا عن كون الله تعالى ينصر من ينصره.

لا ينبغي أن نغفل عن العوامل الغيبية المسددة للثورة الحسينية لأننا إذا تعاملنا معها كما نتعامل مع المعارك الأخرى فسوف نصل في تفسير بعض المواقف إلى حائط مسدود لأن هناك أموراً لا يوضحها إلا الإعتقاد بالتدخل الغيبي فيها.

 

النقطة الثانية: النتائج العسكرية في المعسكر اليزيدي

لو كان المقياس في نجاح المعركة أو فشلها هو النتيجة العسكرية على أرض المعركة وعدد القتلى في صفوف المقاتلين لحكمنا على الجيش اليزيدي بالفشل لأن عدد القتلى في صفوفه فاقت عدد الشهداء في صفوف المعسكر الحسيني بأضعاف كثيرة، وذلك لأن الفرد الواحد من الجيش الحسيني كان يقتل العشرات من الجيش الآخر.

وكما كانت النتائج العسكرية في صفوف المعسكر الحسيني وخيمة من النظرة المادية الأولية فكذلك كانت النتائج لدى الطرف الآخر أفظع وأشد.

 

الفرق بين النتائج العسكرية لدى الطرفين

 

بعد أن أدركنا الخسارة المادية العسكرية لدى الطرفين وجب علينا بيان الفرق بين الخسارتين.

لقد خسر بنوا هاشم أجساداً ولكنهم ربحوا الكثير في الدنيا والآخرة، ونفعوا البشرية كلها من خلال تلك الخسارة العسكرية التي لو دققنا فيها قليلاً لرأيناها بعيدة عن مبدأ الخسارة.

أما اليزيديون فقد خسروا رجالهم وخسروا مصداقيتهم بين الناس ولم تعد خسارتهم بالمنفعة على أحد، وإنما خسروا الدنيا والآخرة في وقت واحد.

وكما يروجون بين الناس فكرة الهزيمة في صف الحسين فإننا نبين للعالم كله بأنهم لم يخسروا مادياً فقط وإنما خسروا كل شيء لأن أعمالهم لم تخدم سوى السيطان الرجيم.

النقطة الثالثة: النتائج النهائية للثورة الحسينية

لقد استطاع أهل الحق أن يصرفوا أنظار الناس عن فكرة النتائج العسكرية الأولية مبينين لهم حجم النتائج الكبرى التي تولدت عن ثورة كربلاء بحيث كان حجمها موضع استهجان الجميع.

وقد ذكرنا في العنوان لفظ(النتائج النهائية) وقد يتوهم البعض بأننا استطعنا أن نحرز كل تلك النتائج، ولكن الحقيقة المقصودة من خلال هذا اللفظ هو ما توصلنا إليه من معرفة النتائج.

أما النتائج كلها فلم تظهر بعد لأن هناك نتائج سوف تتبين في أوقاتها نحن حتى الآن لا نعرفها.

إننا نؤمن بأن هناك كثيراً من النتائج قد تحققت وأن هناك كثيراً منها لم يتحقق بعد، ولو اكتفينا فقط بالنتائج التي أدركناها لكفى ذلك في بيان عظمة الثورة الحسينية.

 

النقطة الرابعة: النتائج النفسية

لم تقتصر نتائج الثورة الحسينية على اقتلاع الأمويين وقتلهم من خلال تلك الصحوة التي زرعتها في النفوس، وإنما أنتجت عوامل نفسية مهمة في نفوس الجميع.

ولو نظرنا إلى العامل الأول في مسألة القضاء على الدولة الأموية لوجدنا أنه الحالة النفسية التي حركتها ثورة كربلاء داخل الناس حيث أنها أرشدتهم إلى ذواتهم ونبشت من نفوسهم مشاعر الإنسانية التي ابتنى عليها الكيان المعنوي للإنسان.

 

النقطة الخامسة: النتائج العقائدية

أهم ما نتج عن تلك الثورة المباركة هو تثبيت العقيدة في نفوس المسلمين، وأن العقيدة الإسلامية تستحق منا البذل والتضحية، فإن أرواحنا ليست بأشرف من روح الإمام الحسين، ولا نحن أغلى منه، فقد ضحى بروحه ليزرع بداخلنا حب العقيدة الحقة والإستماتة في سبيل بقائها.

 

ثمار الثورة الحسينية

 

لقد أطلنا الكلام حول ذكر أهداف الثورة الكربلائية ونتائجها، وبيّنا للعالم حجم نتائجها وقلنا إنها بحجم الأهداف.

ولكنه يبقى السؤال قائماً: ما هي الثمار التي أنتجتها الثورة؟

ومن حق كل مؤمن أن يعرف ثمارها ليجلس بين الناس مجلس المدافع عن الحق وهو متذخر بمعرفة كل ما يتعلق بشأن هذه الثورة الأم.

ولأجل ذلك كان لا بد من ذكر بعض الثمار كتدعيم للأفكار التي نطرحها حول مفاهيم الثورة الحسينية.

 

الثمرة الأولى:مساهمة الثورة في نشر فكر الإسلام

 

لقد أسس الرسول الأعظم محمد(ص) دولة الإسلام، وجاء بالمناهج والقواعد والأحكام من عند الله سبحانه وتعالى، وأرسى تلك القواعد لتثبت في النفوس مدى الحياة لأنها مفتاح السعادة للمسلم في الدنيا والآخرة.

وكلنا يعتقد بأن هذه المهمة قد نجحت بفضل رسول الله(ص) ومن آمن معه من الأصحاب الكرام الذين ثبتوا على العقيدة وقدموا في سبيلها كل غال ورخيص، ولم يتبدل موقفهم من الدين حتى بعد التحاق النبي بالرفيق الأعلى.

كما ونعتقد بأن أكثر المسلمين الذين كانوا في عهد الرسول(ص) قد انجرفوا خلف التيارات الحاقدة بعد وفاته مما أدى إلى نشوء العديد من الفرق والمذاهب مع أن دين الله تعالى واحد وواضح.

لقد بنى الرسول وأسس وجاهد في سبيل تبليغ الدعوة وأوصى الجميع بالثبات على الحق وحذّرهم من الشيطان والسير في طريقه المهلكة وكشف لهم عن حجم الأخطار التي يمكن أن تتولد من خلال حب الدنيا.

ولكن أكثرهم لم يلتزموا بتلك الوصايا وإنما راح كل واحد منهم يبحث عن الكراسي والمناصب والأطماع تحت عنوان الإسلام.

لقد عمل رسول الله في غضون ثلاثة وعشرين عاماً ولم يتهاون بشيء إلى أن أدركته المنية وغيّب التراب جسده الشريف عن الأنظار والعيون.

فمنذ لحظة وفاته بدأ نيران الطمع تشتعل في نفوس البعض من الذين دفعتهم الأطماع إلى عدم المشاركة في تجهيز النبي ودفنه حيث أنستهم الدنيا ربهم ورسولهم وأنفسهم.

أصبح كل واحد منهم يدعو الناس إليه وهو يعلم مدى الخطورة في السير بهذه الطريق، وهو يدرك بأنه يحدث الفرقة والإنشقاق في صفوف المسلمين، ولكنه تابع الطريق مخلفاً وراءه أمة بكاملها فلم يعبأ بشؤون الأمة لأنه قدّم مصلحته على المصلحة العامة.

لقد حاول هؤلاء أن يخفوا كثيراً من الحقائق بهدف تحقيق أطماعهم حيث كانت تلك الحقائق تشكل عائقاً بينهم وبين مصالحهم الذاتية، وقد أدى هذا العمل إلى سحق العديد من الأحكام والمعتقدات حتى أشبه فعلهم فعل الوثنيين الذين اتخذوا لأنفسهم أرباباً بعدد نجوم السماء.

واستمر التخريب والتحريف والتزوير سنوات طويلة رغم وجود الإمام المعصوم فيهم حيث تخلى الناس عن الخليفة الحق واتبعوا دين ملوكهم وحكامهم، وقد حاول أمير المؤمنين علي(ع) أن يصحح تلك الأخطاء ويرجع الأمور إلى مجاريها ولكنهم حاربوه وكذبوه واتهموه وهم المتَهَمون الأوائل فلم يعبأ بكلامه سوى قلة من الناس لأن تلك الأفكار السيئة التي زرعها الطامعون في عقول الناس كانت أكبر من حركة الإصلاح والتصحيح التي خاضها علي(ع) هذا العظيم الذي حارب على التأويل ولكن القلوب كانت مقفلة ومحكمة الإقفال.

واستمر الوضع على هذا الحال حتى استشهد الإمام علي(ع) وجاء دور الحسن المجتبى وقد كان الوضع في زمانه أشد خطورة مما كان عليه في زمن أبيه.

لقد شكّل الإمام الحسن(ع) عائقاً لهم من تنفيذ خططهم الشيطانية إلى أن حكموا عليه بنفس الحكم الذي اتخذ في حق أبيه فقتلوه بالسم.

وتأزمت الأوضاع أكثر حتى جاء دور الإمام الحسين(ع) الذي حمل مهمة جده وأبيه وأخيه فكانت عاقبته في الحياة كعاقبة أسلافه الكرام وذلك على يد طاغية عصره يزيد بن معاوية الذي كان أشد خطراً على الدين الحنيف لأنه أخذ يضع من الأحكام ما يتلاءم مع وضعه كفاسق وقاتل وظالم، وقد جعل تلك الصفات مباحة باسم الإسلام الذي يحرم الظلم ولو بمقدار ذرة.

وقد استطاع الإمام الحسين(ع) أن يقف في وجه يزيد وأعوانه ويصحح الدين الذي حرّفه يزيد، كما استطاع من خلال ثورته أن ينشر الفكر الإسلامي الصحيح من جديد وذلك بعدما قضى على موارد الفساد التي أحدثتها أيدي الظالمين في الإسلام.

 

الثمرة الثانية: تجنيد الأمة للمواجهة

 

بفضل الثورة الكربلائية جندت الأمة رجالها للدفاع عن الحق وأهله حيث اقتدوا بالإمام المظلوم فترجموا إيمانهم عملياً وارتقوا من مرحلة التنظير إلى مرحلة العمل والتطبيق.

وأكبر شاهد على إنتاج هذه الثمرة هو انتفاضة الأمة في وجه يزيد وأعوانه وتحلّيهم بالجرأة التي زرعها الحسين في نفوسهم.

فبعدما كان ابن زياد وحشاً مخيفاً لا يستطيع أحد أن يرد كلمة من كلامه ولو بشكل المجاملة والملاطفة أصبح في نظر الناس هو ورئيسه حشرة قذرة تداس بالأقدام، فقد وقف بن زياد بعد مجزرة كربلاء وخطب في الناس خطبة سبّ فيها علياً والحسين، واتهمهما بالكذب، فوقف رجل من بين الحاضرين وقال لابن زياد:بل أنت الكذاب وأبوك الكذاب: فأمر بن زياد بقتل الرجل فقتلوه، ولكن بن زياد بعد تلك الجريمة المشابهة لكل جرائمه لم يطلع عليه نهار، لأن الشجعان قد دخلوا قصره وذبحوه على فراشه.

ولم يقدم الأبطال على فعل ذلك إلا ببركة الثورة الحسينية التي صنعتهم من جديد وألبستهم ثوب العزة والكرامة بعد أن كانوا أذلاء لا يقدرون على تحريك ساكن.

 

الثمرة الثالثة: حفظ الدين بعد علاج ما فسد منه

 

لم يكن الهدف من الثورة تصحيح ما فسد من أمور الدين، فقد نصحح ذلك ثم بعد فترة من الزمن يظهر يزيدي حاقد فيزور الدين كما صنع يزيد في حياته.

وفي هذا المجال استطاع الإمام الحسين(ع) أن يحقق هدفين في وقت واحد:

الأول: وضع اليد على المواضع التي أفسدها يزيد، ثم معالجة الفساد.

الثاني: وضع أسس كانت بمثابة حصن للدين من التبديل والتحريف.

لأن ما صنعه الحسين(ع) في كربلاء كان من شأنه أن يفتح أنظار الناس نحو الدين ويجعلهم أداة حافظة له من أي دخيل قد يطرأ عمداً أو غفلة أو مسامحة.

 

الثمرة الرابعة: ثبوت المعتقد الصحيح في النفوس

 

كان الناس في عهد يزيد بن معاوية قد ابتعدوا كثيراً عن روح الدين وجوهر العقيدة حيث أصبح دينهم دراهمهم وشهواتهم وأهملوا الإنصياع للعقيدة السليمة التي كانت السبب في نجاتهم وإنقاذهم من الضلال.

وقد حرّف الحكام معنى العقيدة وزلزلوا أركانها في نفوس الناس حيث أن العقيدة الحقة ومصالح الحكام لا يجتمعان.

وبثورة كربلاء أثبت الإمام(ع) لكل الناس أن العقيدة الصحيحة ما زالت موجودة ولكن الناس هم الذين أهملوها بسبب حبهم للدنيا.

ولو رجعنا نبحث عن سبب تثبيت العقيدة في نفوس الناس وإحيائها في قلوبهم من جديد لوجدنا أنه تلك الثورة المباركة.

 

الثمرة الخامسة: إشعار الظالم بالخوف مدى الحياة

 

إن ما حدث للدولة الأموية بعد حادثة كربلاء كان درساً لكل الظالمين عبر الزمن حيث أثبتت لهم أن أهل الحق لن يسكتوا عن حقهم وأن يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم، وأنه لكل يزيد حسين ولكل فرعون موسى.

إن يزيد رغم قوته وجبروته لم يصمد أمام الإرادات الحرة التي وضعها الحسين في نفوسهم، فإذا كان يزيد قد هلك بفضل تلك الثورة فلا شك بأن غيره من الظالمين سوف يقضى عليهم على أيدي من سلك نهج الحسين.

لقد أحدثت تلك الواقعة خوفاً في نفوس الظالمين فمنعت الكثير منهم من ارتكاب الظلم في حق الناس كيلا يكون مصيره كمصير سابقه الذي كان أشد منه قوة وأكثر جمعاً.

 

الثمرة السادسة: فتح أبواب جهنم على كل متغطرس

 

لم يزرع الحسين جرأة في نفوس المؤمنين فقط، وإنما زرعها في قلوب المظلومين من دون تمييز بين واحد وآخر وإن انتموا إلى أديان عديدة ومذاهب مختلفة.

لقد زرع الجرأة في نفوس الجميع وإن لم يعترف الجميع بهذا الفضل فهم يرون بأنهم التزموا نهج التضحية من خلال عوامل خارجة عن نطاق الثورة الحسينية، ولكنهم إذا رجعوا إلى أنفسهم وبحثوا عن السبب لوجدوا بأن للثورة الحسينية حصة الأسد في صناعة القوة فيهم.

فمن لم يعرف أحداث الثورة على وجه التفصيل فقد عرفها على نحو الإجمال، وكلتا الحالتين تولّد بداخل الإنسان قوة في مواجهة الظالم يعود سببها إلى منشأ الدفع، والمنشأ الأول لذلك هي معركة كربلاء.

فبعد تلك المعركة راح الظالمون يحسبون ألف حساب قبل اتخاذ أي قرار يقضي بظلم الناس كيلا يصيبهم ما أصاب يزيداً قبلهم، فقد لعنوا الساعة التي افتعل فيها يزيد تلك المجزرة التي قطعت الطريق أمام الظالمين والمتغطرسين عبر الزمن بحيث لو فكر أحدهم بارتكاب الظلم لفتحت عليه أبواب جهنم.

 

الثمرة السابعة: تمهيد الطريق أمام الثوار

 

لم تكن ثورة كربلاء وحيدة في تاريخ الحق، وإنما كانت البداية لسلسلة ثورات هزت عروش الظلمة في كل بقاع الأرض.

فلم تكن تلك الثورات بالأمر السهل فلقد شكلت خطراً كبيراً على مصالح الحكام وأرعبت قلوبهم وزلزلت أركانهم وأفقدتهم الشعور بالإطمئنان رغم وجود الأمان كما صنع الأبطال الحسينيون في هذا الزمان عندما أرعبوا الجيش الذي لا يقهَر وقتلوا نفوس أفراده قبل أن يقتلوا أجسادهم حتى أرغموهم على التراجع والإستسلام أمام الإرادات الحسينية التي ما زالت تحركنا حتى اليوم.

إننا نولي اهتماماً كبيراً لثورة كربلاء لأنها مثلت البداية لسلسلة ثورات لم تكن بالهينة.

لقد كانت الثورة الحسينية مفتاح السعادة لكل ثائر يريد التعبير عن رفضه لظلم الحكام والملوك.

ومن أبرز الثورات التي تولدت عن ثورة كربلاء:

  • ثورة التوابين.
  • ثورة المختار.
  • ثورة زيد

وهناك أكثر من خمسة عشر ثورة حصلت للتأكيد على استمرار النهج الحسيني الذي هو نهج الحق والحقيقة.

 

الثمرة الثامنة: تأسيس مدرسة جهادية للأجيال

 

لقد تحولت ثورة الإمام الحسين(ع) إلى مدرسة عريقة تتماشى مع كل جيل لأن فيها ما ينفع الأجيال عبر الزمن.

ولا يحتاج إبراز هذه الثمرة إلى أدلة وبراهين، بل يكفي أن ينظر العالم اليوم إلى أتباع الحسين كيف يحققون انتصاراً تلو انتصار يرسمونه بالدم الحسيني الزاكي ويتوجونه بالروح الإيمانية.

أنظروا إلى مناسبة عاشوراء كيف تزدهر سنة بعد سنة، وسوف تدركون حجم المدرسة التي أسسها لنا الإمام العظيم أبو عبد الله الحسين(ع).

 

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى